في كل شتاء يتكرر نفس السيناريو: حكة في الحلق، انسداد في الأنف، وبحث يائس عن شيء يقصر المعاناة. أحد الأسماء التي تظهر مرارًا وتكرارًا هو البلسان، أو باسمه الأجنبي إلدربيري (Elderberry). وهو أحد المكملات العشبية القليلة في مجال المناعة التي لا تقف وراءها تقاليد شعبية عمرها قرون فحسب، بل أيضًا ثلاث دراسات سريرية مضبوطة تظهر تأثيرًا قابلاً للقياس.
ولكن بسبب شعبيته الهائلة، تراكمت حول البلسان أيضًا الكثير من المبالغات. شركات المكملات تقدمه كنوع من المضادات الحيوية الطبيعية، ومنشورات على وسائل التواصل تعد بأنه يمنع الإنفلونزا تمامًا. الحقيقة البحثية أكثر اعتدالًا، لكنها لا تزال مثيرة للاهتمام. في هذا المقال سنفصل بين ما يظهره البحث حقًا، وبين ما يخبرك به تسويق المكملات، وسنشرح لماذا تصنيفنا للبلسان هو 🟡 وليس 🟢.
ما هو البلسان (إلدربيري)؟
البلسان الأسود (Sambucus nigra) هو شجيرة تنمو في أوروبا وغرب آسيا وشمال أفريقيا. الأجزاء ذات الصلة بالمكملات هي الثمار الصغيرة الأرجوانية-السوداء، وأحيانًا الأزهار أيضًا. إليك الأساسيات في نقاط:
- غني بالأنثوسيانين، وهي أصباغ أرجوانية من عائلة الفلافونويد، وهي نفس المواد التي تعطي الثمرة لونها وتعتبر مضادات أكسدة قوية.
- يحتوي على فيتامين C، فيتامين A، بوتاسيوم وكمية عالية من البوليفينولات التي تؤثر على خلايا جهاز المناعة.
- يُستهلك بشكل رئيسي كمستخلص، شراب أو كبسولات موحدة، وليس كثمرة طازجة، لسبب مهم سنصل إليه لاحقًا.
- يُستخدم تقليديًا لعلاج نزلات البرد والإنفلونزا والتهابات الجهاز التنفسي العلوي منذ قرون في أوروبا.
البلسان ليس فيتامينًا تفتقر إليه، ولذلك فهو يختلف جوهريًا عن مكمل مثل فيتامين D. يتم تناوله بشكل نقطي أثناء المرض، أو بشكل موسمي في فترات التعرض المتزايد، وليس كمكمل يومي ثابت مدى الحياة.
العلاقة بجهاز المناعة: آلية محتملة
المختبرات التي درست البلسان حددت عدة مسارات بيولوجية يمكن أن تفسر التأثير. من المهم التوضيح: جزء كبير من الآلية يعتمد على دراسات أنبوب الاختبار والحيوانات، ولم يثبت بشكل كامل في البشر.
- منع دخول الفيروس إلى الخلايا: يرتبط الأنثوسيانين من البلسان في دراسات أنبوب الاختبار ببروتين الهيماجلوتينين على غلاف فيروس الإنفلونزا، وهو البروتين الذي يستخدمه الفيروس للالتصاق بالخلية وإصابتها.
- التأثير على السيتوكينات: أظهرت الدراسات أن مستخلص البلسان يزيد من إنتاج بعض السيتوكينات، وهي جزيئات إشارة لجهاز المناعة، مما قد يسرع الاستجابة المناعية.
- نشاط مضاد للأكسدة: يزداد الإجهاد التأكسدي أثناء العدوى الفيروسية، وتساعد البوليفينولات في البلسان على تحييد الجذور الحرة.
- تأثير مضاد للالتهابات: بعض البوليفينولات توازن الاستجابة الالتهابية المفرطة، مما قد يخفف الأعراض مثل التهاب الحلق والاحتقان.
مزيج منع دخول الفيروس مع دفع الاستجابة المناعية هو التفسير النظري لكون البلسان يقصر مدة المرض بدلاً من منعه تمامًا. وهذا يفسر أيضًا لماذا يكون أكثر فعالية عند البدء به مبكرًا، في الساعات الأولى من الأعراض.
الأدلة الحالية
الدراسة 1: المسافرون جواً من عام 2016 (Tiralongo)
أكبر دراسة مضبوطة في هذا المجال نُشرت في مجلة Nutrients عام 2016 من قبل مجموعة باحثين من جامعة Griffith في أستراليا. 312 مسافرًا في درجة السياحية على رحلات جوية طويلة من أستراليا إلى الخارج تم توزيعهم عشوائيًا إلى مجموعة البلسان أو الدواء الوهمي، في تجربة مزدوجة التعمية. تناول المسافرون مستخلص البلسان الموحد بدءًا من 10 أيام قبل السفر وحتى 4 إلى 5 أيام بعد الوصول.
النتائج: في مجموعة البلسان كان هناك 12 حالة نزلة برد مقابل 17 في مجموعة الدواء الوهمي، وكانت مدة نزلة البرد أقصر بحوالي يومين في المتوسط، بالإضافة إلى انخفاض في شدة الأعراض. من المهم ملاحظة أن الفرق في عدد نزلات البرد لم يصل إلى دلالة إحصائية، لكن تقصير مدة المرض كان كبيرًا. الآثار الجانبية كانت نادرة ولم تُنسب إلى البلسان.
الدراسة 2: مرضى الإنفلونزا في النرويج من عام 2004 (Zakay-Rones)
دراسة إسرائيلية-نرويجية نُشرت في Journal of International Medical Research فحصت 60 مريضًا تتراوح أعمارهم بين 18 و54 عامًا يعانون من أعراض الإنفلونزا لمدة تقل عن 48 ساعة. تلقوا 15 ملليلترًا من شراب البلسان أو الدواء الوهمي، 4 مرات يوميًا لمدة 5 أيام، خلال موسم الإنفلونزا 1999-2000.
النتيجة البارزة: في مجموعة البلسان، تم تخفيف الأعراض في المتوسط قبل 4 أيام مقارنة بمجموعة الدواء الوهمي، وكان استخدام أدوية الإنقاذ (مثل مسكنات الألم ومزيلات الاحتقان) أقل بكثير. هذا أحد الأرقام المثيرة للإعجاب في الأدبيات، لكن يجب تذكر أن العينة صغيرة، 60 شخصًا فقط.
الدراسة 3: التحليل التلوي من عام 2019 (Hawkins)
في عام 2019، نُشر في Complementary Therapies in Medicine تحليل تلوي جمع الأدلة الموجودة. من بين 137 مقالة، فقط 4 دراسات مضبوطة استوفت المعايير، بمشاركة 180 مشاركًا في المجموع، 89 في مجموعة البلسان و91 في المجموعة الضابطة.
أظهر التحليل الإحصائي حجم تأثير كبير قدره 1.717، مما يعني أن البلسان قصر باستمرار مدة أعراض الجهاز التنفسي العلوي. ومن المثير للاهتمام أن لقاح الإنفلونزا لم يغير التأثير بشكل كبير. قدم المؤلفون البلسان كبديل محتمل للاستخدام المفرط للمضادات الحيوية في حالات العدوى الفيروسية الروتينية.
ماذا عن الوقاية، وليس العلاج فقط؟
هنا يجب أن نكون دقيقين. الأدلة على البلسان أقوى لتقصير مرض موجود بدلاً من منعه. في دراسة المسافرين جواً، كان عدد نزلات البرد بالفعل أقل في مجموعة البلسان، لكن الفرق لم يكن ذا دلالة إحصائية. أي أن الدليل القوي هو أنه إذا أصبت بالفعل، فقد يقصر البلسان المعاناة، لكن لا يوجد دليل واضح على أنه سيمنعك من الإصابة في المقام الأول.
لهذا السبب يوصي المحترفون باستخدامه في بداية الأعراض وليس كواقٍ يومي ثابت. في موسم الانتقال، أو في الرحلات الجوية الطويلة، أو عندما يكون أفراد الأسرة مرضى من حولك، من المنطقي البدء بالبلسان بشكل نقطي.
هل يجب أن تبدأ بتناول البلسان؟
على الرغم من الأدلة الإيجابية، هناك بعض التحفظات الهامة التي تقودنا إلى التصنيف 🟡 وليس 🟢:
- تحذير سمية حاسم: ثمار البلسان النيئة، شبه الناضجة أو غير المطبوخة، وكذلك الأوراق واللحاء والبذور، تحتوي على جليكوسيدات سيانوجينية يمكن أن تسبب الغثيان والقيء والإسهال. من الضروري استخدام المستخلصات والشرابات التجارية المعالجة فقط، ولا تأكل الثمرة النيئة الطازجة أبدًا.
- عينات صغيرة: الدراسات مثيرة للإعجاب لكنها صغيرة، من 60 إلى 312 مشاركًا. هذه ليست التجارب الكبيرة التي تُبنى عليها التوصيات الطبية القوية.
- تمويل صناعي: جزء من الدراسات تم تمويله من قبل مصنعي مستخلصات البلسان، مما يستدعي الحذر في التفسير.
- نقص التوحيد القياسي: تركيز المواد الفعالة يختلف بشكل كبير بين المنتجات. زجاجتان من البلسان يمكن أن تحتويان على كميات مختلفة تمامًا من الأنثوسيانين.
لمن يجب أن يكون حذرًا بشكل خاص: النساء الحوامل والمرضعات، الأشخاص المصابون بأمراض المناعة الذاتية (بسبب التأثير المحفز على جهاز المناعة)، والذين يتناولون أدوية مثبطة للمناعة. في كل هذه الحالات، يُنصح باستشارة الطبيب قبل الاستخدام.
ماذا نأخذ من البحث؟
- استخدم فقط المستخلص المعالج. اشترِ شرابًا أو كبسولات أو مستخلصًا موحدًا من علامة تجارية موثوقة. لا تأكل أبدًا ثمار البلسان النيئة التي قطفتها بنفسك، فهي سامة.
- ابدأ مبكرًا. أقوى تأثير في الدراسات تحقق عند بدء البلسان في أول 48 ساعة من الأعراض. كلما بدأت متأخرًا، قلت الفائدة.
- استخدم موسميًا، وليس مدى الحياة. البلسان هو مكمل لوقت المرض أو لفترات التعرض (الرحلات الجوية، الشتاء، التعرض للمرضى)، وليس مكملًا يوميًا ثابتًا.
- اتبع الجرعة على المنتج. لا توجد جرعة عالمية واحدة، الجرعة تعتمد على تركيز المنتج. في الدراسات، تم استخدام حوالي 15 ملليلترًا من الشراب حتى 4 مرات يوميًا أثناء المرض.
- لا تتخلى عن الأساسيات. البلسان لا يحل محل النوم، وفيتامين D الكافي، والتغذية الجيدة، وغسل اليدين. إنه إضافة، وليس بديلاً.
إذا كنت تريد التحقق من المكملات المناسبة لأهدافك الصحية بطريقة مخصصة، جرب محدد المكملات الشخصي لدينا. لمن يبحث عن منتج بلسان عالي الجودة ومعالج بشكل صحيح، يمكن شراء البلسان من iHerb.
المنظور الأوسع
البلسان هو مثال ممتاز لمكمل يروي عنه العلم قصة معتدلة لكنها حقيقية. إنه ليس دواءً معجزة ولا يمنع الأمراض، لكن هناك أدلة معقولة على أنه يقصر مدة نزلات البرد والإنفلونزا ببضعة أيام عند البدء به مبكرًا. بسعر منخفض، وملف أمان جيد (طالما تستخدم المستخلص المعالج)، وأساس بحثي أقوى بثلاث مرات من معظم المكملات المناعية في السوق، فهو يستحق مكانًا في خزانة الأدوية الموسمية.
لكن تصنيفنا 🟡 يذكرنا بالحقيقة الكبيرة: لا يوجد مكمل واحد يتفوق على نمط حياة صحي. الشخص الذي ينام 7 ساعات، ويمارس الرياضة، ويتغذى جيدًا، ويتلقى التطعيمات، يتعامل مع الفيروسات بشكل أفضل من الشخص الذي يعتمد على زجاجة بلسان. البلسان هو أداة مساعدة لطيفة في الموسم المناسب، وليس خط الدفاع الوحيد. وكما هو الحال دائمًا في هذا المجال: الأساسيات أولاً، المكملات بعد ذلك.
المراجع:
Tiralongo E, Wee SS, Lea RA. Elderberry Supplementation Reduces Cold Duration and Symptoms in Air-Travellers. Nutrients. 2016;8(4):182.
Zakay-Rones Z, et al. Randomized Study of the Efficacy and Safety of Oral Elderberry Extract in the Treatment of Influenza A and B. J Int Med Res. 2004;32(2):132-140.
Hawkins J, et al. Black elderberry (Sambucus nigra) supplementation effectively treats upper respiratory symptoms: A meta-analysis. Complement Ther Med. 2019;42:361-365.
💬 التعليقات (0)
كن أول من يعلق على المقال.